10 - ابراهيم وطفي المترجم والباحث والناقد

حين بدأتُ القراءة في المجلد الثاني من "الآثار الكاملة" لفرانز كافكا (ترجمة ابراهيم وطفي)، بدا لي، على الرغم من ضخامة المجلد (816 صفحة قطع متوسط، طبعة ثانية عام 2004)، أنَّ الورطة جميلة، والمغامرة مثيرة، والأمر يستحق!

وأخذت السطور والصفحات تستغرقني من ذاتي ومشاغلي ومهمّتي، إلى عوالم ومقاربات ومفهومات وتساؤلات، تتراوح بين المؤلّف المثير للشكّ، والمراجعة المتواصلة، والأسئلة الشائكة؛ والمترجم، الذي يغدق عليك القول وما وراءه، والموقف وما صداه، والرأي وما يعارضه أو يقاربه. وقد كانت الغزارة، التي تؤثّر في الحكم الجيّد - كما جاء في أحد حوارات المترجم مع أهمّ دارسي كافكا -  تفرض نفسها. لكن التجربة المغامرة، والبحث عن الجوهر، والقدرة على اتّخاذك مكاناً للرصد المجدي، أو محاولة ذلك على الأقل ... صانت مغامرتك عن الانزلاق إلى حدّ ما، أو هذا ما تظنّه. ولعل هذا ما يتصادى، كما بتّ تكتشف، مع تجربة المترجم نفسه؛ فحين التقى بأحد مفسّري كافكا، كريستيان إشفايلر، اندغما في شبه تطابق، وتماهيا مع كافكا، حتى بات كل ما كان قبل ذلك مشكوكاً به، وكل ما سيأتي "مسطّحاً". فهذا المفسر الدؤوب، أعاد ترتيب فصول رواية "المحاكمة"، كما لم يحدث من قبل، وإن كان لم يُعترف به في المانيا، ولا بإنجازه؛ لكن المضيّ في التجربة الفذّة، وعدم الاكتفاء بما كان بعد ذلك القاء، والحديث المنشور بينهما، الذي يُحسب للمترجم، لجدّيّته وعمقه وشموليته ودقّته. واكتشاف كاتب لسيرة كافكا "راينر شتاخ"، وتصادُم الرجلين المهمّين المعاصرين "إشفايلر" و"شتاخ"، وتعرّض الوسيط "المخلّص" ابراهيم وطفي لهزّات بسبب ذلك ... جعلت المترجم يخفّف من دهشته بالدارس، ويعجب بمحاولات كاتب السيرة وجهده، مما دفعه إلى أن يكتب عنه، ويُجري معه حديثاً موازياً أو مصادياً لحديثه المميّز مع إشفايلر، ويترجم الحديثين، وينشرهما معاً ... وهذا ما زاد من المتعة والحيوية والفائدة. 

صاحب مشروع

ترجم ابراهيم وطفي عن الألمانية مسرحيات كثيرة في كتب متعددة، ومقالات جمعها في كتاب صدر بالعنوان: "حرب الشمال على شعوب الجنوب". أما فرانز كافكا، المسكون به، فقد تفرّغ مؤخراً لترجمة آثاره الكاملة مع تفسيرات لها، في مجلدات خمسة، صدر منها ثلاثة، والآخران قيد الاصدار. كما أصدر كتاباً بالعربية أسماه: "كافكا في النقد العربي (البداية / 1994 - 2005")، ضمّ جميع ما وصل إليه من مقالات حول كافكا في الدوريات العربية بين العامين المذكورين، وسيستمر به، إذ أما من جميع من لديه علم بمقال بالعربية عن كافكا في اي مكان، أن يزوّده به، في أي حين. إنه مشروع فريد تميّز به وطفي وشكل جديد من المتابعة والبحث والترجمة والتفسير والإصدار. 

ولا يكتفي المترجم بترجمة النص الأدبي المؤلَّف، بل يتابع أصداءه وتأثيراته، وما قيل عنه، وينشر كل هذا مع رأيه وموقفه من ذلك، وقناعته به، ويحاور من يصل إليه من النقّاد و كتّاب السيرة، والمتابعين. يفعل ذلك بفهم وخبرة ومعرفة ورأي ... لقد تجاوز مسألة الترجمة بضروراتها اللغوية في اللغتين الألمانية والعربية، إلى البحث والتقصّي والنقد، وذلك لإغناء الموضوع المتناول: كافكا ومؤلفاته بآخر متابعة وإصدارات ومناقشات، والإحاطة به بمنتهى الدقة والموضوعية. 

ومثال على دقّته، أنه ترجم عنوان الرواية المعروفة بـ "المسْخ" أو "التحول" إلى "الانمساخ"، وشرح دواعي هذا التعديل مفصلاً.

كما يظهر ذلك الحرص في تثبيته للتصويبات في نهاية المجلد. ومن الملاحظ اهتمام المترجم بعلامات الترقيم اهماماً بيّناً، ولا سيما الفاصلة المنقوطة والأقوال في كثير من الحوارات، والكلمات المقتبسة. 

ولا يكتفي وطفي بالنص مترجماً، بل يقدم عرضاً لكل ما قيل حوله أو أثير، سلبياً كان أو إيجابياً أو محايداً، وذلك كي يغتني القارئ ويتخذ لنفسه الرأي الذي يراه أو يستنتجه. وقد حرص وطفي على وضع مختلف الاقتراحات حول ترتيب فصول "المحاكمة"، وأثبت النص الذي اقتنع بأنه الأقرب إلى الصواب. وتحدث شخصياً عن كتاب سيرة كافكا" "سنوات القرارات" لشتاخ، ثم أورد ست مقالات: خمس منها مختصرة مقرّظة، وواحدة أثبتها كاملة لأن فيها رأياً مخالفاً يحمل الآراء السلبية والإيجابية فيما جاء في الكتاب المذكور. ولا يكتفي بذلك، بل يعطي رأيه بما يعرض، ويقدم رؤاه النقدية في المكان المناسب، مستقلاً في مقال أو كتاب، أو في حاشية أو هامش. فإبراهيم وطفي ليس مترجماً فحسب، بل هو باحث وناقد موضوعي، صاحب رأي وموقف؛ فتسهل صياغاته لمختلف الرؤى والمصطلحات، وتسلس عباراته الشارحة والموضحة؛ ممتعة. وتغدو القراءة ممتعة ومفيدة، على الرغم من صعوبة المادة ومعانيها وأبعادها. 

ويظهر هذا بجلاء في تناوله مسألة يهودية كافكا وصهيونيته المدّعاة، وحرصه على نفي ذلك، ونشر أفكار كافكا ونتاجه للقارئ العربي، الذي من المهم له أن يطّلع على هذا النتاج، حسب رأي وطفي، ولا يصح الابتعاد عنه نتيجة دعاي مغرّضة؛ كما يعبّر وطفي عن رأيه بأن الواقع الحالي للمواطن العربي يؤكد أهمية ذلك. 

وتتجلى الموضوعية في نتاج وطفي في أنه ينشر الآراء المتناقضة في أي أمر أو شخص، حتى لو أصابته بعض الشظايا؛ فقد تواصل مع كاتب سيرة كافكا، راينر شتاخ، وحرص على ذلك رغم من خصومة هذا مع صديق وطفي الحميم إشفايلر أحد مفسري كافكا، ونشر ما كتبه شتاخ بحق المفسر وحقه، وقد وصفه، حسب ما ترجمه وطفي حرفياً، بأنه "أعمى القلب"، ويشك (شتاخ) في أنه (وطفي) وسيط نزيه. وبعد ذلك قام وطفي بملاحقة شتاخ طوال أشهر حتى أجرى معه حديثاً مهمّاً مطوّلاً، ترجمه أيضاً وأثبته في هذا المجلد الثاني.

ومن موضوعيته أنه تراجع عن رأيه، الذي قاله بعد تقاربه الشديد مع أهمّ مفسري كافكا بأنه يرى كل ما يكتب عن كافكا "مسطّحاً"، تراجع عن هذا الرأي حين اطّلع على ما جاء به كاتب السيرة بعد جهد ومثابرة، وثبّت الرسائل بحرفيّتها بينه وبين مفسر كافكا، وبينه وبين كاتب سيرة كافكا، وفيما بين الأخيرين، حتى الهامشي منها والعاطفي الودّيّ، والمنفّر المنتقِد. 

 

وإضافة إلى كل ذلك، فإن اهتمام وطفي بالتوثيق والتأريخ بلد ومميّز، حتى علاقته وتواصله مع المفسر وكاتب السيرة، يذكرها بدقّة متناهية . اتصالات وزيارات ولقاءات ومراسلات ... ويثبت تواريخها بالدقائق والساعات والأيام. وما سبق يشير إلى حرصه على توثيق كل كتابة أو واقعة أو رسالة أو اتصال أو نشر أو ترجمة أو زيارة ... بالمصدر والمرجع والزمان والمكان، ويركّز على المهمّ في كل موضوع؛ وهو بهذا غدا مرجعاً في الموضوعات التي يتناولها، ولا سيما كافكا. وقد استند إلى كتبه الأديب المصري محمود الورداني، حين أشار إلى اقتناعه بما أورده وطفي حول يهودية كافكا وصهيونيته المزعومة، وبما جاء به من نصوص قاطعة. 

كما اقتنع الكاتب فاروق يوسف بما جاء به وطفي من تسلسل فصول "المحاكمة"، قائلاً: "لقد أباح وطفي، على سبيل المثال، لنفسه أن يقترح تسلسلاً جديداً لفصول رواية كافكا، وما كان ليقوم بذلك لو أنه، وهو المولع بكافكا عشقاً، قد شعر أن فعلته ستحدث خدشاً ما في سيرة تلك الرواية العظيمة؛ بل إن تماهيه مع كافكا، هو الذي أملى عليه إلهاماً من هذا الموضوع". ويقول فاروق يوسف بما معناه إن وجود قارئ من نوع وطفي هو نصر للكتابة (كتاب "كافكا في النقد العربي"، ص 309).

وهو مثابر لا يتعب من السعي الحثيث للوصول إلى ما يريد؛ وقد ذكرنا ملاحقته لكاتب سيرة كافكا أشهراً، حتى ظفر بحوار معه، على الرغم من ظنه أنه لا يوافق على ذلك، حين ضلّت إحدى رسائله الموجّهة إليه مع الأسئلة بالبريد الإلكتروني؛ ولا شك في أن هذه الخصال تتطلب التزاماً صارماً بالعمل والموقف، وجدّية ومسؤولية، وخططاً واستراتيجيات، ليخرج النتاج مفيداً مغنياً شاملاً مكتملاً؛ وهو ما عمل عليه ابراهيم وطفي، وما زال يعمل على الرغم من بلوغه الثانية والثمانين من العمر. ومن المهمّ أن نقول إنه ناشر كتبه ومدققها ومتابعها. وقد تُهش لانشغاله بمشروعه الجادّ، حين تظهر بارقة طريفة في رسالة إلى شتاخ كاتب سيرة كافكا ، وتكاد تصرخ: "وجدتها!"، حين كانيخبره أن رسالته ذهبت إلى شخص آخر، ردّ عليه المتلقي بأنه ليس الشخص المقصود، ويتبعها وطفي بأنه لم يرفق ردّه بالإجابة عن أسئلة المقابلة. 

كافكا يهودي غير ملتزم، وليس صهيونياً

تعرّض كافكا لاتهامات كثيرة من كتّاب عرب بأنه يهودي وصهيوني. ويؤكد المترجم الباحث الناقد، ابراهيم وطفي، أن كافكا كان يهودياً بالوراثة، ولم يلتزم بها، ولا توجد في مجموع آثار كافكا شخصية يهودية واحدة، وأن لديه أقوال تؤكد ذلك، ولا سيما ضد الصهيونية. 

يقول وطفي إن اختلاق يهودية / صهيونية كافكا إنما جاء من غوستاف يانوش في كتابه "أحاديث مع كافكا" ومن ماكس برود الصديق اللدود لكافكا، الذي توفي عام 1968 في فلسطين، وكان قد هاجر إلى هناك فارّاً من براغ حين اجتاح هتلر تشيكوسلوفاكيا في عام 1939. في حين يؤكد الكاتب اليهودي هانس شوبس، كما قال وطفي: "من السخف وغير المعقول ادّعاء صهيونية سياسية لكافكا" (كتاب "كافكا في النقد العربي"، ص 239).

في عام 1985 نشر نجل شوبس، يوليوس شوبس، المراسلات بين والده وماكس برود في كتاب جاء في 250 صفحة، عنوانه: "في النزاع حول كافكا واليهودية"، برهن فيه على انعدام علاقة كافكا بالصهيونية. ويقول وطفي: "إذا استغل خبراء الدعاية الصهيونية كتاباً مثل (أحاديث مع كافكا)، فلا ينبغي على القارئ العربي أن يقع في مصيدتهم، ويعدّ ما جاء في هذا الكتاب المختلق برهاناً على صهيونية كافكا، ويفهم آثار كافكا الأدبية كما يريد الصهاينة له أن يفهمها" (ص 233). وقد بذل ابراهيم وطفي جهداً كبيراً في هذا الموضوع، ولا سيّما في حواره مع أحد مفسّري كافكا ، كريستيان إشفايلر، وأهمّ كاتب لسيرة كافكا، راينر شتاخ. فلم يجد لديهما أي شيء يشير إلى تديّن كافكا ولا إلى صهيونيته المدعاة. يقول شتاخ في كتابه "سنوات القرارات": "كان كافكا يجد الصهيونية مقفرة"، و"كان يهودياً بالاسم فحسب، كان يهودياً غربياً لا جذور له". 

كافكا

لدى ابراهيم وطفي 

- ولد كافكا مواطناً في الإمبراطورية النمساوية في براغ، وبعد انهيارها إثر نهاية الحرب العالمية الأولى وتشكيل دولة تشيكوسلوفاكيا، صار كافكا مواطناً تشيكياً، وعاش فيها ودفن فيها، وهو منتم إلىعائلة يهودية غير محافظة، ولم يكن يهودياً ملتزماً. وكتب بالألمانية دون أن يحمل الجنسية الألمانية. 

- عاش كافكا أربعين عاماً وأحد عشر شهراً (3 تموز 1883 - 3 حزيران 1924).

- كتب نتاجه الأدبي خلال أحد عشر عاماً ونصف العام (بين أيلول 1912 وآذار 1924).

- صدر كتابه الأول "تأمل" عام 1912.

- كتب قصة "الحكم" في ليلة واحدة (22 - 23 أيلول 1912).

- كتب "رسالة إلى الوالد" خلال أسبوعين (10 - 24 تشرين الثاني 1919). 

- عندما اجتاح هتلر تشيكوسلوفاكيا عام 1929 غدار صديق كافكا اللدود، ماكس برود، براغ وهاجر إلى فلسطين هرباً. وهو يهودي وصهيوني متعصب. 

- نشرت "رسالة إلى الوالد" كاملة في عام 1952 عن طريق ماكس برود.

- ابتاعت الحكومة الألمانية المخطوطة الأصلية لرواية المحاكمة في مزاد علني بمبلغ 1,1 مليون جنيه إسترليني.

- نشر كافكا طوال حياته ستة كتب صغيرة الحجم. 

- يُعدّ كافكا من أهمّ الكتّاب في العالم في القرن العشرين، وما تزال كتبه مثار دراسة وبحث وجدل واختلاف آراء وصلت الكتابة عنه إلى أحد عشر ألف بين كتاب ودراسة مطولة. واستخدم في دراسة آثار الأدبية العلوم اللغوية والنفسية والفلسفية والوجودية والدينية والمادية. وكل دارس يأتي بأدلّته وشواهده ليثبت ما يقول. ولا شك في أن أدباً يحتمل ويحمل كل هذه التفسيرات لهو جدير بأن يخلد ويترجم وينشر. 

- كان كافكا يكتب في فصول عدة من رواية واحدة في وقت واحد، وترك مخطوطات غير مرتّبة الفصول، مثل مخطوطة "المحاكمة"، كما ترك مخطوطات كثيرة غير مكتملة. 

- كتب كافكا قصصاً وروايات ويوميات، ترجمت إلى عشرات اللغات وطبع منها ملايين النسخ.

- يقول وطفي: كافكا ليس ملكاً لدولة، وإنما هو، أكثر من أي مبدع عالمي آخر، مُلْك للبشر كلهم، بمن فيهم العرب طبعاً ... إذا أراد العرب. 

ولا ينتمي أدب كافكا إلى أي مدرسة أدبية مألوفة، ولا إلى أي أدب قومي، بل هو أدب كوني عالمي يخص البشرية كلها. ويبدو كافكا لبعض الباحثين كاتباً خارج كل تراث أدبي قومي وكل علائق تاريخية ومن دون أي ماض (كافكا في النقد العربي، ص 234).

- ترجم وطفي كتاب "المحاكمة الصحيحة" لكريستيان إشفايلر، وجاء في مقدمة الكتاب: "إن إبداع كافكا هو محاولة بعيدة الغور لطرح مسائل الوجود الجوهرية للإنسان العصري والإجابة عنها. بنفاذ بصيرة يجري هنا تبيان أخطار الحياة المباشرة، وإمكانات التغلب عليها. بينما يستشفّ المبدع أعماق الخطايا والضلالات في الحياة اليومية ويحذّر من نتائجها المحتومة، فإنه يشير ف يالوقت نفسه إلىحلول أفضل، يصبح مرشداً إلى الطريق مبيّناً كيف يمكن نشدان تحقيق الذات في الحياة البشرية بأن يجري اكتشاف المعنى الكامن في الحياة". 

- كما نشر حديثاً مطولاً مع إشفايلر. 

- ترجم وطفي مقتطفات من الجزء الثاني من سيرة حياة كافكا "سنوات القرارات / 1910 - 1915" لمؤلفه راينر شتاخ، وحديثاً مطولاً معه. 

مقاربات

بعض القضايا والممارسات في الوسط الأدبي عامة، ولا  تعلق بدولة أو منطقة، ولها ارتباط بطبيعة الإنسان أينما كان:

- عداوة الكار

يقول الألماني راينر شتاخ، أهم كاتب لسيرة كافكا: "من طبيعة الكتّاب أن يحسد كاتب كاتباً آخر على نجاح ما، وهذا موجود في محيط كل الكتّاب الكبار، الذين يبدون مدافعين عن مواقعهم أو مراكزهم في مجال اختصاصهم، ولكن من غير المقبول أن يمنع هذا التفاهمَ مع علماء آخرين. لا أفهم أن أحب صدق كافكا وأعادي كل من يعجب مثلي بهذا الصدق". 

ويقول إشفايلر. "مختص في أدب كافكا، معترف به، قال لي حرفياً بعد أن قرأ أطروحتي: `إنك تجعلني أما طلابي غير جدير بالتصديق`. من كوّن لنفسه سمعة مختص وخبير، يصعب عليه، على ما يبدو، أن يسحب نظرياته الخاطئة؛ وبدلاً من ذلك ينحصر همّه في حصر الأضرار بأي وسيلة. والقتل صمتاً هو الطريق الأكثر سهولة، وإن كان الأكثر فظاظة. وعلى كل حال، إن الهجوم الساخر أحياناً الذي تلقاه كتبي، هو أيضاً تعبير عن تجاربي التي لا تصدق في التعامل مع المختصين في ادب كافكا". 

وللمفارقة في هذه المقاربة أن الكاتبين المذكورين أعلاه تخاصما بشدة ونعتَ كل منهما الآخر بأوصاف لا تليق. 

اهتمام القراء بالأدباء أكثر من اهتمامهم بالأدب

أرقم المبيعات تقول ذلك. قال الكاتب السويسري بيتر بيكسل بعد أمسية أدبية: "الناس لا يهتمّون بالأدب، إنما يهتمّون بالأدباء" ("المحاكمة"، ص 767)، أي إن مبيعات الكتب التي تتناول سير حياة الأدباء أكثر من مبيعات كتبهم.

اهتمام الإعلام بالإثارة في حياة الكتّاب

يقول شتاخ ردّاً على سؤال من ابراهيم وطفي، في حواره المهمّ معه: "ما أعرفه عن كافكا سوف أرويه بأمانة وصدق ما أمكن؛ علماً أنه من الواضح لي كلياً أنّي بهذا إنما أثير أيضاً الميول الجنسية للقارئ المحب للتلصّص، وهناك صحافة كاملة تعيش من ذلك. إلا أن على كاتب السيرة المهتمّ أن يقود قراءه خارج هذه النقطة". 

- أورد المترجم أقوالاً كثيرة لأدونيس تقارب ما جاء حول الأدب، ولا سيما الشعر، في أقوال نقّاد تناولهم المترجم. ويقول وطفي: يمكن كتابة كتاب كامل للمقارنة بين كافكا وأدونيس؛ ولدى النقّاد العرب عمل كبير وكثير".

 

مفارقات

نشر الكتب

- نُشر في اللغة الألمانية وحدها نحو ستة عشر ألف دراسة بين كتاب ومقالة مطولة عن آثار كافكا. وفي العقود الأخيرة يُباع كل عام في ألمانيا نحو مئة وخمسين ألف نسخة من مجموع كتب كافكا ("المحاكمة"، ص 634).

- في مطلع القرن العشرين كان لدى العرب ثلاث جامعات، وكان عدد العرب نحو خمسين مليون نسمة، وكان يُطبع من الكتاب الجيد ثلاثة آلاف نسخة. 

في مطلع القرن الواحد والعشرين صار لدى العرب 175 جامعة وصار عددهم أكثر من 290 مليون نسمة، وما زال يُطبع من الكتاب الجيد ثلاثة آلاف نسخة (صخر أبو فخر في حوار له مع أدونيس في تموز 2000). ويكمّل المترجم: سيبلغ عدد العرب في عام 2025 نحو نصف مليار نسمة، وسُطبع من الكتاب الجيّد ثلاثة آلاف نسخة.

تبنّي دور نشر لمشروع ثقافي

 

- تبنّت دار فيشر مشروع شتاخ ودفعت له تكاليف معيشته طوال ثمان سنوات كي يتفرغ لكتابة سيرة كافكا. 

يقول وطفي: "سيكون حلم حياة بالنسبة إلى كل باحث عربي أن يجد دار نشر تموّل مشروع حياته". 

 

يقول شتاخ: "إن ذلك نادر الحدوث في ألمانيا أيضاً، ولكن الموضوع هو موضوع ثقة".

بيع الكتب

بيع من كتاب شتاخ "سيرة كافكا / سنوات القرارات" (673 صفحة) ما يقرب من عشرين ألف نسخة في أربع طبعات في العامين الأولين بعد صدوره عام 2002.

الأماسي الأدبية تقدّم لمن يبتاع تذاكر

يقول شتاخ في حواره مع وطفي: "أعطيت عدة مقابلات تلفزيونية ونحو خمس وعشرين مقابلة إذاعية، وأقيمت لي ما يقرب من أربعين أمسية أدبية نفد معظم تذاكرها" (ثمن تذكرة الدخول 10 يورو). ما هي نسبة الحضور لدينا مجّاناً؟

الاعتراف بالخطأ سمة الكبار 

على الرغم من الحوار الحادّ بين إشفايلر وشتاخ، اعترف الأخير للأول بخطأ نبّهه عليه بقراءته للجملة الأولى في رواية "المحاكمة"، وشكره على ذلك. كما يعترف وطفي بتسرّعه في إطلاق حكم مستقبلي على ما سيقرأه عن كافكا، ويقرّ بأهمية ما اكتشفه في كتاب سيرته لشتاخ. 

العلاقة بين المترجم والمفسّر إشفايلر صارت ودّية وشخصية، وتماهيا مع كافكا؛ فيما بقيت العلاقة بين وطفي وشتاخ أكثر رسمية، ولم تتطور إلى شخصية حميمة، وبقي التواصل قائماً عن بُعد.

ملاحظات واشارات

- المترجم ابراهيم وطفي صاحب مشروع أدبي معرفي مهمّ وضخم. يقول في إحدى رسائله إلى شتاخ كاتب سيرة كافكا: "إنني أعمل من أجل القارئ العربي وحده". وهو يعدّ نفسه صديقاً لكافكا، ويصرح بذلك من خلال أسئلته إلى شتاخ، كما يصفه إشفايلر بأنه مسكون بكافكا. 

- تقع "الآثار الكاملة / مع تفسيرات" لفرانز كافكا، التي ترجمها وطفي في مجلدات خمسة صدر منها اثنان:

1 - الحكم / الوقّاد / الانمساخ / رسالة إلى الوالد (الأسرة).

2 - رواية المفقود (المجتمع الصناعي).

3 - رواية المحاكمة (العالم كمحكمة).

4 - رواية القلعة (الكون البشري).

5 - القصص (البنية الجدلية للوجود البشري).

- ورد اسم ابراهيم وطفي في "بيبلوغرافيا كافكا"، حيث عرض المجلد الأول وجاء: "إن سورياً في ألمانيا وضع لنفسه هدفاً هو ترجمة الآثار الكاملة لكافكا إلى اللغة العربية. نتمنى له المثابرة والتوفيق".  

- ترجم ابراهيم وطفي كتباً أخرى من اللغة الألمانية، ومنها مسرحيات كثيرة، ومجموعة مقالات جمعها في كتاب "حرب الشمال على شعوب الجنوب"؛ كما جمع ما كتب نقداً أو عرضاً عن كافكا في كتاب "كافكا في النقد العربي / البداية / 1994 - 2005". 

غسان كامل ونوس 

 

مجلة "المعرفة" (دمشق)، تشرين الثاني 2019

© 2019 by kafka-ibrahim-watfe.com